الشيخ الطبرسي
154
تفسير مجمع البيان
أداء الفريضة ، وهذه الفضيلة المذكورة ههنا هي ما خص كل واحد منهم من المنازل الجليلة ، نحو كلامه لموسى بلا سفير ، وكإرساله محمدا إلى الكافة من الجن والإنس . وقيل : أراد التفضيل في الآخرة ، لتفاضلهم في الأعمال ، وتحمل الأثقال . وقيل : بالشرائع فمنهم من شرع ، ومنهم من لم يشرع . والفرق بين الابتداء بالفضيلة ، وبين المحاباة أن المحاباة اختصاص البعض بالنفع على ما يوجبه الشهوة دون الحكمة ، وليس كذلك الابتداء بالفضيلة ، لأنه قد يكون للمصلحة التي لولاها لفسد التدبير ، وأدى إلى حرمان الثواب للجميع . فمن حسن النظر لهذا الانسان تفضيل غيره عليه ، إذا كان في ذلك مصلحة له ، فهذا وجه تدعو إليه الحكمة ، وليس كالوجه الأول الذي إنما تدعو إليه الشهوة . ( منهم من كلم الله ) أي : كلمه الله ، وهو موسى ( ورفع بعضهم درجات ) قال مجاهد : أراد به محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم " ، فإنه تعالى فضله على جميع أنبيائه ، بأن بعثه إلى جميع المكلفين من الجن والإنس ، وبأن أعطاه جميع الآيات التي أعطاها من قبله من الأنبياء ، وبأن خصه بالقرآن الذي لم يعطه غيره ، وهو المعجزة القائمة إلى يوم القيامة بخلاف سائر المعجزات ، فإنها قد مضت وانقضت ، وبأن جعله خاتم النبيين ، والحكمة تقتضي تأخير أشراف الرسل لأعظم الأمور . ( وآتينا عيسى بن مريم البينات ) أي : الدلالات كإبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ، والإخبار عما كانوا يأكلونه ويدخرونه في بيوتهم ( وأيدناه بروح القدس ) قد مر تفسيره في الآية الخامسة والثمانين من هذه السورة ( ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ) أي : من بعد الرسل . وقال قتادة والربيع : من بعد موسى وعيسى ، وأتى بلفظ الجمع ، لأن ذكرهما يغني عن ذكر المتبعين لهما ، كما يقال : خرج الأمير فنكوا في العدو نكاية عظيمة ، معناه : ولو شاء الله لم يقتتل الذين من بعد الأنبياء ، بأن يلجئهم إلى الإيمان ، ويمنعهم عن الكفر ، إلا أنه لم يلجئهم إلى ذلك ، لأن التكليف لا يحسن مع الضرورة والإلجاء ، والجزاء لا يحسن إلا مع التخلية والاختيار ، عن الحسن . وقيل : معناه لو شاء الله ما أمرهم بالقتال ( من بعد ما جاءتهم البينات ) من بعد وضوح الحجة ، فإن المقصد من بعثه الرسل قد حصل بايمان من آمن قبل القتال ( ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ) بتوفيق الله ولطفه ، وحسن اختياره . ( ومنهم من كفر ) بسوء اختياره ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ) كرر ذلك تأكيدا وتنبيها . وقيل : الأول مشيئة الإكراه أي : لو شاء الله اضطرهم إلى حال يرتفع معها